الذين يمنعون ذلك ويعترضون عليه يستشهدون بموقف ابن مسعود الذي رواه الدارمي بسند صحيح والإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية من أن ابن مسعود أعترض على بعض الصحابة وهم جلوس وأحدهم يقول كبروا مائة فيكبرون وهكذا .. الرواية
ونقول وبالله التوفيق إن مذهب الصحابي إذا تعارض مع النصوص الصحيحة الصريحة المرفوعة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فإنه يترك وقد ورد ما يقرب من خمسة وعشرون حديثاً عن رسول الله صلي الله عليه وسلم تؤكد الذكر الجماعي منها:-
ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ( إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلا يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء قال فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألوك قال وماذا يسألوني قال يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجير ونني قالوا من نارك يا رب قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم قال فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ) [مسلم (2689)، الترمذي (3600) عن أبي هريرة] .
قال ابن حجر معلقا على هذا الحديث قوله( يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ) زاد ابن إسحاق وعثمان عن جرير ويمجدونك وكذا لابن أبي الدنيا وفي رواية أبي معاوية فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك ، وفي حديث أنس عن البزار ويعظمون آلائك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لأخرتهم ودنياهم.
ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وعلى تلاوة القرآن والدعاء والصلاة ة والسلام على رسول الله صلي الله عليه وسلم ... وفي دخول قراءة الحديث النبوي وبمدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة فحسب.
وقال- رحمه الله - وفي الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك . وقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوى إجابة عن سؤال يسأل عن رفع الصوت بالذكر في المساجد فقال لا كراهة في شئ من ذلك وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به والجمع بينهما إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص كما جمع النووي بمثل ذلك والأحاديث الدالة على الجهر به ما أخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .
والذكر في ملأ لا يكون إلا عن جهر . وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال كنا نعد لرسول الله صلي الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب أغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، قال الترمذي حديث صحيح فها هو رسول الله صلي الله عليه وسلم يجهر بالاستغفار وهو في مجلس أصحابه ويظل يجهر طوال المجلس حتى يفرغ من المائة ، قد يقول قائل إنه كان يجهر حتى يحفظ الصحابة والرد على ذلك أن الصيغة سهلة يمكن حفظها من مرة أو مرتين فليس من المعقول أن الصحابة كانوا يعدون ولا يستغفرون وهم أحوج ما يكونون إلي الاستغفار ، فلابد أن يشاركوه في الاستغفار .
حديث آخر الذي أخرجه السبعة عن عبد الله بن عباس قال إن رفع الصوت بالذكر حيث ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . أما أحاديث خفض الصوت : روى أبو يعلى وأحمد وأبو عوانة وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الذكر الخفي) وصححه ابن حبان، لكن ضعفه ابن معين كما في مجمع الزوائد1081 قال النووي: ليس بثابت، وذكره العجلوني في كشف الخفاء: 1471 وعلى فرض صحته فالمراد به الذكر الذي لا يطلع عليه إلا الله، وليس المراد الذكر القلبي ، وجمع بينهما النووي أن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذي به المصلين أو النيام والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته تتعدى إلي السامعين ولأنه يوقظ القلب ويجمع الهمة ويطرد النوم ويزيد النشاط .
أما قول الله تعالى ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلا) جاء في تفسيرها ما رواه الإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس قال:- نزلت هذه الآية ورسول الله صلي الله عليه وسلم مقيم بمكة قال كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به ، فقال الله لنبيه ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أحبائك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك وهناك زيادة رواه الضحاك عن ابن عباس نفسه قال فلما هاجر إلي المدينة سقط ذلك .
ومن هنا يتضح أن الذكر الجماعي سواء كان في المسجد أو خارج المسجد وبصوت مسموع أو غير مسموع أمر مشروع لا شئ فيه .
------------------
* أحد قيادات إخوان الشرقية ومدير عام بهيئة المواد النووية .