لا يختلف إثنان أن الإسلام دين يمتاز بخاصتين لم تتوفر في رسالة سماوية سابقة له أو دعوة إصلاحية لاحقة وهما شمولية المنهج و عمومية الرسالة فقال عز وجل {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} (87) سورة ص و قال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء ، فهو دين شامل كل مناحي الحياة وسلوك الإنسان و رسالة إصلاحية للناس كافة على إختلاف مآكلهم و مشاربهم و لذا كان من أول يوم .
وجد فيه أجلاف العرب ضالتهم فارتقى بهم و حولهم من رعاة للغنم إلى قادة للأمم و انضوى تحت لوائه العرب و العجم و الأبيض و الأسود في كل ربوع المعمورة . ليصلح العالم و ليس ليقهره للخضوع لسطوته ولذا لم يكن مستغرباً أن يرحب قبط مصر بالفاتح الإسلامي و يؤازروه ضد إخوانهم في العقيدة من الرومان و مثل ذلك حدث في فتح القسطنطينية و غيرها من الممالك التي تعطش أهلها للحل الإسلامي- كتعطش المريض للدواء ليتخلص من آلامه - للخروج من غياهب الظلم لينعموا بعدل الإسلام و أتضح ذلك جلياً في الحوار الذي دار بين رستم قائد الفرس و ربعي بن رضي الله عنه وأرضاه، أحد القواد في جيش القادسية ، ويدخل على رستم قائد بلاد فارس الذي معه ما يقارب من مائتين وثمانين ألفاً من الجنود، فيقول رستم : ماذا جاء بكم؟ ومع ربعي رمح مثلَّم وثوب ممزق، وفرس كبير معقور، قال: ماذا جاء بكم ويضحك رستم ووزراؤه معه، جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور والرمح المثلِّم والثوب الممزق؟! قال ربعي في الحوار: (إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ) و ظلت هكذا رسالة الإسلام السمحة تعرض على القاصي و الداني لأكثر من أربعة عشر قرنا حكم فيها الإسلام العالم بأسره .
و كان أعداء الإسلام أشد علماً بنقاط القوة لدى المسلمين من المسلمين أنفسهم ليتسنى لهم الإجهاز عليه {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (8) سورة الصف. فبدأت موجات الإستشراق في وقت مبكر و أيقنوا جيداً أن قوة المسلمين تكمن في قوة المنهج و عالمية التوجه حتى قال رئيس وزراء بريطانيا " جلادستون " في نهاية القرن التاسع عشر في مجلس العموم البريطاني بعدما حمل القرآن بيده : " إننا لا نستطيع القضاء على الإسلام والمسلمين إلا بعد القضاء على ثلاثة أشياء :صلاة الجمعة ، والحج ، وهذا الكتاب ، فقام أحد الحاضرين ليمزق القرآن فقال : ما هكذا أريد يا أحمق ، إني أريد تمزيقه في قلوبهم وتصرفاتهم .
ومن ثم بدأت معاول الهدم - على مدار أكثر من ثلاثة قرون- وبالفعل تمكنت حركات التغريب و بإيعاز من المنظمات الماسونية من نشر الأفكار القومية و الأفكار المناهضة لعالمية الحل الإسلامي بين المسلمين ليس فقط بين العوام بل بين الخواص و خواص الخواص منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الآن وبدأ المسلمون ينكفون على أنفسهم شيئاً فشيئاً و هذا ما نجني ثماره الآن و من مظاهر هذا الانكفاء .
- ترسيم الحدود بين الدول و تفكيك الإمبراطورية الإسلامية إلى دويلات متناحرة.
- تعظيم نقاط الخلاف بين المدارس الفقهية المختلفة حتى وصل الأمر لإشعال الحروب بسبب أمر فرعي لا يمت لأصول الدين بصله بين أهل البلد الواحد .
- تخلف المسلمين في معظم ميادين الحياة المدنية من علوم و فنون وثقافة فأصبحوا في ذيل الأمم لا يأبه بهم أحد . - تكالب القوي الاستعمارية و تجرؤهم على استباحة حرمات المسلمين دون رادع لهم .
- الانهيار الأخلاقي و التخلف الحضاري في بلاد المسلمين ........إلخ . و أشد المظاهر فجاجة هو ما يلاقيه المسلمين الآن في أمريكا و أوروبا – التى طالما تشدقت بحرية الإعتقاد و كفالة حقوق الإنسان – من إضطهاد للرموز الإسلام الدينية فبالأمس الحجاب و اليوم المآذن و غداً المساجد ثم الوجود نفسه بعدما إستباحة قوي الشر دمائنا طوال سنوات الاستعمار حتى الآن ومازالت دمائنا تنزف في كل مكان في فلسطين و العراق و أفغانستان و غيرها .
كل ذلك يحدث و لا حراك للأنظمة المسلمة . إننا لا نلوم الغرب في فعله بل نلوم المسلمين أنهم أصبحوا الآن هم الحدث و انسحبوا من مكان فعل الحدث فالغرب يدافع عن بقائه و عقيدته . وفي الختام سؤال يطرح نفسه ما هو الحل لهذه المعضلة ؟؟؟
الجواب بكل سهوله هو ( الإسلام هو الحل ) نعم هو الحل إذا ما إتخذه المسلمون منهج حياه وطبقوه أينما وجدوا ونشروا تعاليمه السمحة في ربوع الأرض وقدموه حلاً لمشاكل الإنسانية و كانوا خير رسل لخير رسالة كما فعل السلف الصالح و ما لجوء الغرب للنظم الإسلامية للخروج من أزمته الإقتصادية لخير مثال . و انتشار البنوك الإسلامية في بلاد الغرب لهو خير دليل .كما كانت فتوحات الإسلام في أفريقيا و أسيا في الماضي بواسطة التجار المسلمين وفقط .
نريد من المسلمين أن يكونوا قدوات أينما كانوا ويكونوا أسلاماً يمشى على الأرض خاصة أن العالم الآن يستجدي من يأخذ بيده ليعلو به إلى إنسانية فقدها بعد طول مصاحبة لحياة مادية تلاشت فيها القيم والمعاني السامية .عندها فقط ستأتينا الدنيا راغمة فيتودد لنا العدو ونرفع هاماتنا فكفانا صراخاً و شجباً و إدانة و هيا إلى العمل {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (105) سورة التوبة .